عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

39

الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )

وأما من كان ذا عقل ذكي وفهم عليّ ، وإيمان قوي ، يأخذ من كتبنا كل ما يأخذه وينال منها كل مقصده ، ولقد رأيت في زماننا هذا طائفة كثيرة من كل جنس من أجناس العرب والفرس والهند والترك ، وغير ذلك من الأجناس كلهم بلغوا بمطالعة كتب الحقيقة مبالغ الرجال ، ونالوا منها مقاصد الآمال . فمن أضاف بعد ذلك إلى علمه وفضله سلوكا واجتهادا صار من الكمل ، ومن وقف بعد علمه كان من العارفين . علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين وسبب ذلك أن المسائل الموضوعة في كتب أهل الحقيقة إنما تفيدك بالوضع علم التوحيد تصريحا ، وبالعبارة والإشارة عين التوحيد كناية وتلويحا ، وبضرب الأمثال حق التوحيد رمزا وتسنيحا ، فقد يكون بعض الكتب مسبوكا على هذه الهيئات كلها ، فيدخل بك إلى علم اليقين فإن عملت بمقتضاه ، ولازمت مطالعة ذلك الكتاب على حكم ذلك العلم فإنه ينتقل بك إلى عين اليقين ، ثم يرقيك إلى حق اليقين إن أعطيت نفسك لذلك العين على حكم ما ذكره المؤلف ، وإلا فهو مهلك وانتهاك . فإذا بلغت إلى حق اليقين انقطعت فائدة الكتب عنك ، وهذا منتهى ما تبلغ بك الكتب إليه إن كنت شهما . وحويت تمييزا وفهما . وأما حقيقة اليقين فلا تستفاد من الكتب بنوع من الأعمال البتة ، لأنه في الأصل لا يدخل تحت الإفادة الكونية بحال فهو أمر وهبي فوق المدارك العلمية والعينية والذوقية يمنحه اللّه من يشاء من أهله ، ولعلك تقول إن كان لا بد من الانقطاع فما فائدة الكتب في آخر الأمر ، فإذا أتركها في أول الأمر وارجع إلى ما ترجع إليه . مطالعة كتب الحقيقة عند المحققين أفضل من أعمال السالكين فأقول لك : إن المراتب المشار إليها بعلم اليقين ، وعين اليقين ، وحق اليقين ، التي ذكرنا عنها أنها منتهى فائدة الكتب لا يكاد أن يصل إليها ، بل ولا إلى أقلها باجتهاد العمر كله ، فإني قد رأيت صبيانا من أهل الطريق من إخواني بلغوا بمطالعة هذه الكتب في الأيام القليلة ما لم يبلغه رجال باجتهاد أربعين وخمسين سنة على أنهم قد كانوا سببا لدخول أولئك الصبيان إلى الطريق ، ولكنهم لما وقفوا مع سلوكهم وسار أولئك الصبيان في مطالعة كتب الحقيقة وفهمها ، وتأخروا عن مداهم صار الصبيان شيوخا في الحقيقة والشيوخ لهم صبيانا حتى أنشد منشد فقال : وقد تبنيت آبائي على ثقة * ولا محالة أني وجه كل أب